سيد محمد طنطاوي

264

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف : ولما قال - سبحانه - : الحمد للَّه ، ثم وصف ذاته بالإنعام بجميع النعم الدنيوية ، كان معناه : أنه المحمود على نعم الدنيا ، تقول : احمد أخاك الذي كساك وحملك ، تريد : احمده على كسوته وحملانه . ولما قال : * ( ولَه الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ ) * علم أنه المحمود على نعم الآخرة وهو الثواب « 1 » . وقال الآلوسي : والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل ، أن الأول على نهج العبادة ، والثاني على وجه التلذذ والاغتباط وقد ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس « 2 » . وقال الجمل : فإن قلت : الحمد مدح للنفس ، ومدحها مستقبح فيما بين الخلق ، فما وجه ذلك ؟ فالجواب : ان هذا المدح دليل على أن حاله - تعالى - بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه - تعالى - مقدس عن أن تقاس أفعاله ، على أفعال العباد « 3 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( وهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) * أي : وهو - تعالى - الذي أحكم أمور الدارين ، ودبرها بحكمته ، وهو العليم بظواهر عباده وبواطنهم ، لا يخفى عليه شيء من أحوالهم . ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر علمه فقال : * ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ ) * ، والولوج الدخول ، يقال : ولج فلان منزله ، فهو يلجه ولجا وولوجا ، إذا دخله . أي : أنه - سبحانه - يعلم ما يلج في الأرض وما يدخل فيها من ماء نازل من السماء ، ومن جواهر دفنت في طياتها ، ومن بذور ومعادن في جوفها . ويعلم - أيضا - * ( ما يَخْرُجُ مِنْها ) * من نبات وحبوب وكنوز ، وغير ذلك من أنواع الخيرات . ويعلم كذلك * ( ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ) * من أمطار ، وثلوج ، وبرد ، وصواعق ، وبركات ، من عنده - تعالى - لأهل الأرض .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 566 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 103 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 459 .